«البريستول» أقفل أبوابه ورأس بيروت... انكسر

تاريخ الإضافة الأحد 19 نيسان 2020 - 12:06 م    التعليقات 0

        



 ... من النافذةِ المفتوحةِ على أحلامِ بيروت وأهوالِها، يطلّ مكتبُ «الراي» في العاصمة اللبنانية على الجارِ الذي أَكْسَبَ المنطقةَ شهرتَه كواحدٍ من المعالم المضيئة الأكثر عراقة وعصْرنة ومَجْداً وأبّهة وحيوية... إنه فندق «البريستول» الذي فاخَر حتى الأمس القريب بأنه كان السبّاق وقبل 70 عاماً في تجديد دور أمّ المدن التي تلألأتْ سياحةً ورفاهيةً وبحبوحةً وعالميةً كدارٍ مضيافةٍ للعرب والأجانب.
ورغم أن هذا الجارَ «العتيق» المتربّع فوق هضبةٍ تطلّ على رأس بيروت جدّد شبابَه قبل أعوام (2015)، فإن الصامدَ على مرّ الحروب والأزمات لم يقوَ على معاندةِ «الموت» المتربّص ببيروت، الدور والأمكنة والاقتصاد والسياسة... وهكذا قرّر «البريستول» قفْل أبوابه على الذاكرة الجميلة. غادرتْه الأضواءُ من دون حفلِ وداعٍ، استقالتْه الأزماتُ المجنونةُ، الإفلاس المالي، «كورونا» وانحسار الحريات، فانكسر رأس بيروت بعدما طأطأه التبدّل الدائم في أحوال العاصمة التي دأبتْ على «تشييع» أمكنتها العامرة والجميلة، الواحد تلو الآخر... مقاهي الأرصفة والمطاعم ودور السينما وأكشاك الصحف وسواها.
ظنّ «البريستول» أن بيروت «العروس النائمة» لن تستغرقَ في قيلولتها طويلاً، وستفتح عينيْها على أملٍ جديد، فقاوم على الحافة بين موتٍ رحيمٍ وموتٍ بطيءٍ، قبل أن يستسلم أمام نكباتٍ غير مسبوقة تقبض على الوطن الذي يكاد يتحوّل حُطاماً مع الأزمة المالية - الاقتصادية الجارفة و«كورونا» اللعين.
وفي اللحظة التي جرى التداول فيها ببيان الوداع الذي عزا القرار المُرّ إلى «تَغَيُّر الأوضاع في شكل مأسوي، منذ ثورة أكتوبر 2019 خصوصاً أخيراً مع انتشار وباء كورونا الذي اجتاح القطاع الفندقي وأدى إلى تدميره بالكامل»، سرعان ما فُتحت صندوقة الذكريات مع فندقٍ أرسى أول معايير الرفاه والفخامة في «بلاد الأرز» وارتبط اسمه على مدار العقود بزوّار «خمس نجوم» في السياسة والفن، وبأحداث تاريخية صُنعت في ردهاته التي ما زالت تختزن خفايا وأسرار محطات مفصلية كان آخِرها لبنانياً ما عُرف بـ«لقاء البريستول» الذي شكّل رافعة الاستقلال الثاني الذي وُلد من رحم ثورة 14 مارس 2005 التي انفجرتْ بعد شهر من زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ولن يمحو غروب شمس «البريستول» سجلاتٍ ذهبية في أرشيفه كُتبت بأسماء ضيوف عرب وأجانب أمثال أمير موناكو ألبير الثاني وشاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي، والرئيس الفرنسي جاك شيراك والعاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وملك الأردن الراحل حسين بن طلال وغيرهم ممن طبعوا مراحل من تاريخ المنطقة والعالم.
... في «مغيبه» بدا البريستول وكأنه يذرف دمعةً وهو يزفّ «بحزن شديد قرار الإقفال بشكل نهائي بسبب الخسائر الجسيمة»، ليبقى هذا المعلَم التاريخي الذي كان قبلة السياحة في لبنان أيام العزّ كـ«الأميرة النائمة» ينتظر «قبلة فرَج» تستيقظ معها «بلاد الأرز» من موتها السريري.


المصدر: الراي