العقوبات الأميركية تُربك المصارف .. و"الــقرارات الموجعة" تُمهِّد لضرائب جديدة

تاريخ الإضافة منذ 3 أسبوع    التعليقات 0

        



 كتبت "الجمهورية" تقول:تكفي نظرة بسيطة على المشهد الداخلي، ليتبيّن ما بلغه حال اللبنانيين من تردٍ وانحدار، وحجم القلق العام الذي دخل الى بيوتهم، وكذلك حجم الإرباك الذي اصاب كل فئات الشعب اللبناني، وجعلها عاجزة عن ايجاد جواب عن سؤال بات على لسان كل لبناني: كيف سنواجه ما تخبئه لنا الايام المقبلة امنياً واقتصادياً؟

عنصر الأمان بات مفقوداً لدى الناس، والضغط عليهم بات لا يُحتمل؛ فمن ناحية يتجاذبهم شعور بالخوف من الاعتداء الاسرائيلي "المسيّر" على الضاحية الجنوبية وتداعياته، وسط ارتفاع منسوب الخطر وتصاعد وتيرة التهديدات، إن من الجانب الاسرائيلي، أو من جانب "حزب الله"، الذي جدّد بالأمس التأكيد على أنّ الردّ على العدوان المسيّر على الضاحية حتمي، إن عاجلاً ام آجلاً. وامام هذه الصورة يتزايد الحديث عن انّ باب الاحتمالات والسيناريوهات الحربية مفتوح على مصراعيه.

من ناحية ثانية، اللبنانيون في حال "حبس أنفاس" امام ما ينتظرهم في ساحة الاقتصاد، وخشيتهم المتزايدة من صدمة عنيفة، تُحضّر لهم من دهاليز الأزمة الاقتصادية، لا يستطيع احد ان يتكهن بنتائجها والمنحدر الذي قد تُسقِط فيه البلد.

صدمة تصوغها افكار وطروحات من بنات افكار الطاقم السياسي الحاكم، تستسهل مد اليد الى جيوبهم وتزيدهم اعباء فوق اعباء، لا شكّ انّها ستقرّبهم يوماً من لحظة الانفجار.

الحقيقة المرّة


والحقيقة المرّة التي يجاهر فيها كل لبناني، عشية الاجتماع الاقتصادي - السياسي، المقرّر عقده الاثنين المقبل في القصر الجمهوري في بعبدا، هي انّ اللبنانيين وبكل فئاتهم، باتوا يعيشون في عصر الخداع والانخداع؛ الخداع الذي تمارسه طبقة سياسية تسبّبت بالأزمة وتشاركت في مفاقمتها وابتلاع مواردها على مدى سنين طويلة، ومن ثم تأتي هي لطرح الحلول، فأي حلول مُنتظرة منها؟! والانخداع بمواقف تبكي على الاطلال، وشعارات برّاقة تدعو المواطن اللبناني الى شدّ الأحزمة، وكأنّه هو سبب المشكلة، فيما هي في جوهرها دعوة الى شدّ الرحال ومغادرة البلد الى المجهول!

تداعيات العقوبات

الى ذلك، دخلت العقوبات الاميركية التي فُرضت على "جمال ترست بنك"، عبر إدراج الخزانة الاميركية هذا المصرف على لائحتها السوداء، دائرة التفاعل، وخصوصا انّها ارخت مفاعيل ارباكية في الداخل اللبناني، بعد حديث أثار المخاوف من ان تكون الخطوة الاميركية فاتحة لخطوات مماثلة تطال مصارف أخرى.

وفي غياب اي تطمينات خارجية حول محدودية هذه الخطوة، توالت التطمينات الداخلية امس حول ضمان سلامة الودائع في "جمال ترست بنك"، فيما سرت بشكل مريب ما يمكن وصفها بـ"حرب شائعات"، روّجت لها بعض مواقع التواصل الاجتماعي، وذهبت الى تسمية مصارف مرشّحة للسقوط بعد البنك المذكور. وقد سارعت جمعية المصارف ورئيسها الى نفي هذه الشائعات والتأكيد ان لا وجود لاسم أي مصرف آخر على لائحة العقوبات الأميركية.

لكن المعضلة في هذا الموضوع تركزّت حول السبل المتاحة امام حاكم مصرف لبنان رياض سلامه لإنجاز إنهاء ملف المصرف بأقل خسائر ممكنة.

علماً انّ سلامة أكّد أمس "انّ المصرف المركزي يتابع عن كثب قضية "جمّال ترست بنك"، وكل الودائع الشرعية مؤمّنة في وقت استحقاقاتها حفاظاً على مصالح المتعاملين مع المصرف".

واستغربت مصادر مصرفية كيف يقع "جمال ترست بنك" في هذه المشكلة الآن، لافتةً الى أنّ المصرف عانى منذ فترة من بعض المشاكل الإدارية، ما استدعى تدخّل مصرف لبنان الذي عيّن مديراً عاماً جديداً للمصرف هو الأمين العام للجنة الرقابة على المصارف سهيل جعفر.

وأكّدت المصادر لـ"الجمهورية"، أنّ سهيل جعفر يُعدّ الرجل الثاني في لجنة الرقابة على المصارف منذ 30 عاماً، وهو قدّم استقالته من اللجنة بمعرفة الحاكم وتولّى إدارة المصرف لتنظيم أعماله من جديد. وهنا السؤال المطروح، هل يُعقل أن تمرّ عليه هذه المخالفات أم أنّ هناك ظلماً في حق المصرف؟

ورجّحت المصادر أن يسعى الحاكم الى بيع موجودات البنك، وأوضحت انّه بعد ان تتمّ عملية البيع ستحقق الادارة الجديدة بكل حساب على ان يتم اغلاق كل حساب مشبوه تباعاً.

مرقص

أما في الشق القانوني، فقد أوضح رئيس منظمة "جوستيسيا" الحقوقية المحامي بول مرقص، انّ من السيناريوهات المطروحة حالياً ان يتم شراء المصرف بحقوقه وموجباته (سواء الحقوق او الديون العائدة له) من قبل مصرف ثانٍ او اكثر من مصرف محلي، ولكن دون ذلك بعض الصعوبات، لأنّ تجربة استحواذ المصارف المحلية الاخرى على ودائع من اللبناني الكندي لم تكن مشجعة، بسبب محاذير اشارت اليها الجهات الخارجية يومها حيال هذه الخطوة.

كذلك هناك صعوبة حالياً في بيع موجودات وديون المصرف بسبب الاوضاع القائمة، وخلافاً لما كان عليه الوضع مع اللبناني الكندي، خصوصاً انه توجد دعوى في حق المصرف المُدرج في نيويورك. وبالتالي، من المفترض ان تترّيث المصارف المحلية في الاستحواذ على هذه الودائع الى حين جلاء الموقف مع مصرف لبنان، الذي يتعامل بحكمة ودراية مع هكذا اشكاليات، وربما يكون من المأمول ان يجترح مصرف لبنان آلية بالتشاور مع وزارة الخزانة الاميركية لكيفية انتقال هذه الودائع الى المصارف المحلية، وهذا الامر سيتطلب بعض الوقت وربما إجراء دراسة دقيقة لهذه الودائع للتحقّق منها.

صفير

وفي السياق، أعلن رئيس جمعية المصارف سليم صفير، إثر لقائه رئيس الجمهورية امس، انّ الجمعية تعكف على دراسة موضوع "جمّال ترست بنك"، وأكّد للمودعين "أنّ حقوقهم محفوظة ولا مصارف أخرى موضوعة على جدول العقوبات ولا صحة للإشاعات أنّ مصارف أخرى ستتعرّض لعقوبات". (تفاصيل ص 10).

اجتماع بعبدا

في موازاة ذلك، تواصلت التحضيرات لانعقاد اجتماع بعبدا، على انّ اللافت للانتباه، انّ ما تسرّب من مقترحات عن سلّة ضرائب جديدة وموجعة للناس، بات يثير قلقاً شعبياً.

وقد سبق لرئيس الجمهورية ان استقبل منذ فترة، وتمهيداً لطاولة الحوار هذه، خبراء اقتصاد يمثلون الاطراف السياسية الرئيسية: روي بدارو، شربل قرداحي، غازي وزني، عبد الحليم فضل الله ومازن سويد، في حضور وزيرَي الاقتصاد منصور بطيش وشؤون التكنولوجيا عادل أفيوني، ورئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان.

وطرَح ممثلُ كلّ حزب ورقته للإجراءات المطلوبة، وتمّ التوصل بعد النقاش الى حلولٍ وسط تجمع بين مختلف الاقتراحات ومنها:

o تحديد سعر أدنى وأقصى لسعر صفيحة البنزين. فبعد أن رفض ممثل "حزب الله" عبد الحليم فضل الله زيادة ضريبة 5 آلاف ليرة على الوقود، توصّل المجتمعون الى حلٍّ وسطيّ يتمثل بوضع حدّ أدنى لسعر البنزين مهما بلغ انخفاض السعر العالمي، على أن يعود فارق الإيرادات الى الخزينة.

- رفع ضريبة الفوائد المصرفية الى 11 في المئة. وكان هناك اقتراح بفرض ضريبة تصاعدية على أصحاب رؤوس الأموال، إلّا أنه سقط.

- زيادة الضريبة على القيمة المضافة الى 15 في المئة على ما سيُحدَّد لاحقاً بـ"الكماليات".

- تجميد الرواتب والأجور في القطاع العام لمدة 3 سنوات.

- تعديل قانون المشتريات لضبطه بقانون عصريّ، بما يوفر حوالى 500 مليون دولار سنوياً.

- محاربة مافيات الفيول التي ترفع فاتورة الكهرباء من 1,3 مليار دولار الى 1,7 مليار دولار سنوياً، من خلال إطلاق مناقصات عالمية لاستيراد الفيول وليس حصرها بين دولة وأخرى.

- تقليص حجم القطاع العام الذي يحوي حوالى 400 ألف موظف.

- إعتماد نظام عصري للتقاعد في غضون عام في الحدّ الأقصى.

- إقفال المؤسسات العامة غير الفعّالة.

بدارو

والمفارقة انّ الخبراء الذين شاركوا في لقاء بيت الدين التمهيدي ليسوا مقتنعين بأنّ الاقتراحات المطروحة ستُطبّق. اذ قال الخبير الاقتصادي روي بدارو لـ"الجمهورية": "إنّ الوضع في لبنان بلغ اليوم المرحلة الأخيرة والرمق الأخير، ولا نملك خياراً سوى التوافق على الإجراءات المناسبة"، لكنه شكّك واستصعب التوصل الى توافق سياسي حول تلك الإجراءات خلال اجتماع بعبدا الاثنين

البنك الدولي

على صعيد آخر، التقى الرئيس عون، وفد البنك الدولي برئاسة ساروج كومار. وعلمت "الجمهورية" انّ الوفد اكّد قراءته الإيجابية للتوجّهات الإقتصادية، منوّها بالإجماع السياسي على مواجهة الوضع الصعب. وركّز الوفد على الآتي:

- اي تفاهم سياسي لبناني يعزّز الإجراءات الواجب اتخاذها على المستويات الإقتصادية والإجتماعية، وهو يتطلع الى الطاولة الإقتصادية يوم الإثنين المقبل.

- البنك الدولي يرعى سلسلة مشاريع ومستعد لمساعدة المؤسسات المتوسطة والصغيرة التي توسّع فرص العمل وتقلّص حجم البطالة في لبنان.

- مستعدون للدعم في مجالات استثمار المياه ولا سيما مشاريع السدود وتوفير المياه الصالحة للشرب.

- ضرورة ان تكون المشاريع المرفوعة من الدولة واضحة وشفافة في تمويلها وفي آدائها وخدماتها ليتوفر لها الدعم المطلوب.

- مهتمون بسياسة تعزيز وشق الطرق والاتوسترادات الدولية وتحسينها في حدود الـ 8000 كيلومتر. كما بالنسبة الى مشاريع صناعة التكنولوجيا الحديثة والمعلوماتية، فتمويلها متوفر.

كنعان

وقال كنعان لـ"الجمهورية": "علاقتنا مع البنك الدولي ممتازة وهي تتسمّ بالتعاون على مختلف الأصعدة التقنية والمالية والتمويلية، وقد حدّدنا في هذا الاجتماع الاولويات المشتركة ومن بينها الاصلاحات المطلوبة في قطاع الكهرباء والخطة، كما الإقتصاد الرقمي المعروف بالحكومة الالكترونية، بالإضافة الى استكمال ما بدأناه في موازنة 2019 من تخفيض للعجز والنفقات العامة".

وحول اجتماع الاثنين، قال "المطلوب وضع مقررات اجتماع بعبدا الأول موضع التنفيذ من خلال الاتفاق على اجراءات عملية ترتكز على زيادة الايرادات من خلال رؤية اقتصادية تقوم على تطوير قطاعات منتجة من خلال مشاريع محددة واصلاحات مالية بنيوية وادارية ضرورية لزيادة معدلات النمو بالتوازي مع سياسة تخفيض النفقات ومكافحة الهدر في الادارة والمؤسسات العامة".